ثقافة فيلم "البارح العين ما نامت" لراكان مياسي في قسم "نظرة ما": منارة جديدة في السينما الفلسطينية
بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي
ذكرنا في مقالاتنا السابقة غياب أفلام تتناول المجازر التي يتعرض لها الفلسطينيون واللبنانيون في الدورة 79 لمهرجان كان بينما لم يكن قليلا عددُ الأفلام التي تدور أحداثها أثناء أو حول الحرب العالمية الثانية. الاستثناء كان فيلم "البارح العين ما نامت" لراكان مياسي وهو بالمناسبة فلسطيني – لبناني. ولكن لا علاقة مباشرة لموضوعه بما يجري الآن في المنطقة. الأمر لافت ولكن ليس من حيث تقييم العمل في حدّ ذاته وإنما من حيث قراءة الدّلالات الجيوسياسية لبرمجة المهرجان. وهو ما لا يعنينا الآن بالأساس.
ما يعنينا هو العمل وأبعاده الفنية والفكرية ومكانته في المشهد السينمائي الفلسطيني والعربي بالخصوص. فلنبدأ من حيث انتهينا : لا وجود في القصّة لما يدلّ على آنية أحداثه بل غياب السياق الزمني مقصود لأن السّجل السردي أقرب إلى الجنس الخرافي منه إلى الواقعية. لهذا تجدر قراءة الفيلم قراءة سينمائية تتجاوز الدرجة الأولى.
لا يقف الأمر عند تحليل مجتمع قبلي، ذكوري بالرغم من بداهة وجوده في الشريط، بل لا يمكن فهم العمل دون اختراق هذه الاعتبارات وإدراك ما وراءها. هناك ثلاث شخصيات نسائية، ثلاث شقيقات، تحيلنا على مستويات متفاوتة من الواقع.
الأولى، قمرة، إسم صعب الإدراك (لا غرابة أن تتلكأ الممرضة في بداية الفيلم في نطقه)، شخصية غير مرئية، اعتقد الجميع أنها مفقودة، لا ندري أين ولّت إلاّ من خلال جملة واحدة مسموعة. الثانية، جوهرة، أقربهن من الواقع المادي الملموس، منخرطة في نسيج اجتماعي ومهني بعينه، ممرضة، لها من ثقل الواقع ما يجعلها تقبل بسهولة الزواج وإن كان من شخص لا تعرفه، خدمة للنواميس الاجتماعية. أما الثالثة، ريم، فهي شخصية مركزية، مزيج من الواقع والخيال، متحركة، لا تثبت في مكان، أقرب شخصية من رمزية القصّة، تشتغل في السهل لكن لا نراها تعمل، عاصية على أي تشخيص، قابلة للحب ولكن غير مستعدة لتجسيده، تلج حقل اللقطة وتخرج منه بطريقة عجيبة. فلا يمكن فهمها فقط على أنها متمرّدة، رافضة للوضع الاجتماعي. هذا صحيح، بل هي تحمل طاقة تتجاوز رفض القيود الاجتماعية، تخترق الحدود بجميع أنواعها. هي الشخصية الوحيدة التي تتمكن من فتج الحقل المرئي وتعطي للقطات الواسعة إمكانية وجودها في تركيبة سينمائية مبنية أساسا على لقطات مغلقة في أطرافها الجانبية التي غالبا ما يكتنفها الغموض و في عمقها الذي كثيرا ما تسدّه الجدران والجبال.
وأكبر دليل على هذه الرمزية اللقطة-المشهد الأخيرة التي تتحدى ريم جانبَيْها يسارا ويمينا. حتى الكاميرا لم تعد قادرة على متابعتها بالرغم من حركات الزوم الأخيرة، ابتعدت إلى أن انصهرت تماما في الطبيعة كجذع الشجرة الوحيدة في الأفق. نعتقد أنها قبلت دعوات عاشقها الملحّة والصادقة لكنها اخترقتها ويبدو لنا أنها خضعت لطلب شقيقها ولكن بقدرة قادر فلتت عن إرادته حتى ابتعدت منهما دون أن يتمكن لا هذا ولا ذاك من ادراكها.
جاء كل هذا في شكل عادي، في سرد خال من المؤثرات والمبالغات، أقرب إلى الرسم منه إلى الزخرفة. أثر كيارستامي بيّـن في الشريط، علما أن راكان مياسي تابع تكوينا في ورشة نشطها المخرج الإيراني.
كنا شددنا أكثر من مرّة على ما تقدّمه السينما الفلسطينية من تجديد وتنوع في جماليات الصورة السينمائية. جدلية غريبة : رمت أقدار التاريخ بهؤلاء المخرجين خارج حدود أرضهم، فحولوا هذا الاستبعاد إلى انفلات جمالي وفكري زاد في مشروعية قضية غير مطروحة بشكل مباشر في الشريط ووسّع مجالات الثقافة الفلسطينية وحركيّتها.